فصل: تفسير الآية رقم (267):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (261- 262):

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)}
قلت: {مثل الذين}: مبتدأ، و{كمثل}: خبر، ولابد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة... إلخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: في التحريض على النفقة في سبيل الله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} أي: يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، {كمثل} زارع {حبة أنبتت} له {سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}، فالمجموع سبعمائة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «الحَسَبنَة بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إلى سَبعمائَة إلى أضْعَافٍ كَثيرَةٍ» وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقاً يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، {والله يضاعف} تلك المضاعفة {لمن يشاء} بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، {والله واسع} لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، {عليم} بنية المنفق وقدر إنفاقه.
ثم ذكر شرطَيْن آخرَيْن في قبول النفقة، فقال: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى}. المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه؛ بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا، وكذا إظهاراً لميزته عليه. والأذى: أن يتطاول عليه بذلك. ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء، مثلاً. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءاً منثوراً، ومن سلم من ذلك، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله ف {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وقال زيد بن أسلم رضي الله عنه: إذا أعطيت أحداً شيئاً وظننت أن سلامَكَ يَثْقُلُ عليه فَكُفَ سلامَكَ عنه. اهـ.
قيل: إن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنهما؛ أما عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عُثْمَانُ بألْفِ دِينَارِ في جيش العُسْرَةِ، فصَبَها في حُجْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَرَأيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُدخل يَده فيها، ويُقلِّبهَا ويقول: «ما ضَرَّ ابن عفَّان ما عَمِلَ بَعْدَ اليوم» زاد في رواية سعيد: فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم رافعاً يدعو لعثمان، ويقول: «يا رب عثمان بن عفان، رضيتُ عنه فارض عنه» وأما عبد الرحمن: فإنه أتى النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهم، صدقة، وأمسك أربعة آلاف لعياله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ».
وإنما لم يدخل الفاء في قوله: {لا خوف عليهم}، مع أن الموصول قد تضمن معنى الشرط، إيهاماً بأنهم أهلٌ لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا.
قاله البيضاوي.
الإشارة: التقرب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي، وبالعمل القلبي، أما العمل البدني، ويدخل فيه العمل اللساني، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة، وبأكثر من ذلك أو أقل، وكذلك العمل المالي: قد ورد تضعيفه إلى سبعمائة، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد، وأما العمل القلبي: فليس له أجر محصور، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَر: 10]، فالصبر، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والمحبة، والرضا، والتسليم، والمعرفة، وحسن الخلق، والفكرة، وسائر الأخلاق الحميدة، إنما جزاؤها: الرضا، والإقبال والتقريب، وحسن الوصال. قال تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التّوبَة: 72] أي: أكبر من الجزاء الحسيّ الذي هو القصور والحور.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة». فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهَمْ} [التّوبَة: 80]. ومثله قول الشاعر:
كُلُّ وَقْتٍ من حبَيبِي ** قَدْرُه كألفِ حجَّهْ

أي: سَنَة. والله تعالى أعلم.
ثم بيَّن الحقّ تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة.

.تفسير الآية رقم (263):

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)}
قلت: {قول}: مبتدأ، و{خير}: خبر، والمسوِّغ الصفةُ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قول} جميل يقوله الإنسان للسائل في حال رده، حيث لم يجد ما يعطيه، {خير} وأفضل عند الله من الصدقة التي يتبعها المن والأذى، ومثال القول المعروف: الله يرزقنا وإياك رزقاً حسناً. والله يغنينا وإياك من فضله العظيم، وشبه ذلك من غير تعبيس ولا كراهية. {ومغفرة} للسائل والعفو عن جفوته وإلحاحه، {خير} أيضاً {من صدقة يتبعها} مَنٍّ، أو {أذى} للسائل، علم الحق جلّ جلاله أن الفقير إذا رُدَّ بغير نوال شقَّ عليه، فربما أطلق لسانه وأظهر الشكوى فأمر المسؤول بالعفو والتواضع. ولو شاء الحقّ تعالى لأغنى الجميع، لكنه أعطى الأغنياء ليظهر شكرهم، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم، {والله} تعالى {غني} عن أنفاق يصحبه مَنٌ أو أذى، {حليم} عن معالجة من يَمُنُّ أو يؤذي بالعقوبة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يُفهم من الآية أن حسنَ الخلق، ولينَ الجانب، وخفض الجناح، وكف الأذى، وحمل الجفاء، وشهود الصفاء، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن الخلال، وفي الحديث: «إنَّ حُسْن الخُلق يعدل الصيام والقيام».
وفي قوله: {والله غني حليم}: تربية للسائل والمسؤول، فتربية السائل: أن يستغني بالغنيِّ الكبير عن سؤال العبد الفقير، ويكتفي بعلم الحال عن المقال، وتربية المسؤول: أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب، ويحسن الرد والجواب. قال في شرح الأسماء: والتخلق بهذا الاسم- يعني الحليم- بالصفح عن الجنايات، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات، بل يجازيهم بالإحسان، تحقيقاً للحلم والغفران. اهـ.

.تفسير الآية رقم (264):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)}
قلت: {كالذي}: الكاف في محل نصب على المصدر، أي: إبطالاً كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس. أو حال، أي: مشبَّهين بالذي ينفق رئاء. و{رئاء} مفعول له، والصفوان: الحجر الأملس، والصلد: البارز الذي لا تراب عليه، وجمع الضمير في قوله: {لا يقدرون} باعتبار معنى {الذي}؛ لأن المراد به الجنس.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا} أجر صدقتكم بسبب {المن} بها على المتصدَّقِ عليه، {والأذى} الذي يصدر منكم له، بأن تذكروا ذلك للناس، فتكون صدقتكم باطلة، {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثوراً، {فمثله} في انتفاعه بصدقته، وتستره بها في دار الدنيا، وافتضاحه يوم القيامة، كحجر أملس {عليه تراب} يستره، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة، {فأصابه وابل} أي: مظر غزير {فتركه صلداً} حجراً يابساً خالياً من التراب، كذلك المراؤون بأعمالهم، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم، فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة، {لا يقدرون على} الانتفاع ب {شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} إلى مراشدهم ومصالح دينهم. وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر، ولابد للمؤمن أن يتجنب عنها. وبالله التوفيق.
الإشارة: تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب، وتصفية القلوب على قدر مراقبة علام الغيوب، والمراقبة على قدر المعرفة. والمعرفة على قدر المشاهدة. والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة. {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فيِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العَنكبوت: 69]. وفي الحكم: (حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال، وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال) والحاصل أن من لم يتحقق بمقام الفناء لا تخلوا أعماله من شوب الخلل، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة في عطاء ولا منع، ولا حركة ولا سكون، ولم ير لغيره وجوداً حتى يرجو منه نفعاً ولا خيراً. وفي بعض الإشارات: يا من يرائي أَمْر مَنْ من ترائِي بيد من تعصيه. اهـ. وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسه طبعه، فلا يجرى منه خير قط. والعياذ بالله.
ثم ذكر الحقّ تعالى ضد هؤلاء، وهم المخلصون.

.تفسير الآية رقم (265):

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)}
قلت: الربوة- مثلثة الراء-: المكان المرتفع، والوابل: المطر الغزير، والطل: المطر الخفيف، وفي ذلك يقول الراجز:
والطلُّ ما خفَّ من الأمْطَارِ ** والوابلُ الغزيرُ ذو أنْهِمَارِ

و{ابتغاء مَرْضات الله} و{تثبيتاً}: حالان من الوافي في: {ينفقون}، أو مفعولان له. والتثبيت بمعنى التثبت، أي: التحقق، كقوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْه تَبْتِيلاً} [المُزمّل: 8] أي: تبتلاً.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {مثل الذين ينفقون أموالهم} في سبيل الله {ابتغاء مرضات الله} وتحققاً {من أنفسهم} بثواب الله، أو تحقيقاً من أنفسهم بالوصول إلى رضوان الله إن بذلوا أموالهم في طلب رضى الله، مَثَلُ نفقتهم في النمو والأرتفاع {كمثل جنة} أي: بستان {بربوة} بمكان مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، {أصابها وابل} أي: مطر غزير {فآتت أكلها} أي: ثمارها {ضعفين} أي: مِثْلَيْ ما كانت تثمر في عادتها، أي: حملت في سَنَةٍ ما يحمل غيرها في سنتين، بسبب هذا المطر الذي نزل بها، {فإن لم يصبها وابل فطل} أي: فيصيبها طل، أي: مطر قليل يكفيها؛ لطيب تربتها وارتفاع مكانها، فأقلُّ شيء يكفيها.
والمراد: أن نفقات هؤلاء، لإخلاصهم وكمال يقينهم، كثيرة زاكية عند الله، وإن كانت قليلة في الحس فهي كثيرة في المعنى. وفي الحديث: «مَنْ تصدَّقَ ولو بلُقْمة وقعتْ في كَفٍّ الرحمن فيُرَبِّيها كما يُربى أحدُكُم فلُوَّهُ أو فَصِيله، حتى تكونَ مثل الجبل» وفي قوله: {والله بما تعلمون بصير}: تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص. الله تعالى أعلم.
الإشارة: تنمية الأعمال على قدر تصفية الأحوال، وتصفية الأحوال على قدر التحقق بمقامات الإنزال، أي: على قدر التحقق بالإنزال في مقامات اليقين، فكل من تحقق بالنزول في مقامات اليقين، ورسخت قدمه فيها، كانت أعماله كلها عظيمة، مضاعفة أضعافاً كثيرة، فتسبيحة واحدة من العارف، أن تهليلة واحدة، تعدل الوجود بأسره، ولا يزنها ميزان، وكذلك سائر أعمال العارف: كلها عظيمة مضاعفة؛ لأنها بالله ومن الله وإلى الله، وما كان بالله ومن الله يطرقه نقص ولا يشوبه خلل، ولأجل هذا صارت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وأماكنهم كلها عرفات، وأنفاسهم كلها زكيات، وصحبتهم كلها نفحات، ومخالطتهم كلها بركات. نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم.
آمين.

.تفسير الآية رقم (266):

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}
قلت: الإعصار: عمود من ريح فيه عجاجة، يدور ويرتفع.
يقول الحقّ جلّ جلاله: أيتمنى حدكم {أن تكون له جنة} أي: بستان {من نخيل وأعناب}، هما الغالبان فيه؛ لكثرة منافعهما، {تجري من} تحت تلك الأشجار {الأنهار}؛ إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود، و{له فيها} أي: في تلك الجنة {من كل الثمرات} زائدة على على النخيل والأعناب، ثم {أصابه الكبر} فضعف عن القيام بتلك الجنة، {وله ذرية ضعفاء} لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم، فأصاب تلك الجنة {إعصار} أي: ريح شديد {فيه نار فاحترقت} تلك الجنة، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان، لخوفه من ضياع نفسه وعياله. وهذا مثال لمن يُكثر من أعمال البر، كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك، وهذا يُعجب به، ويفتخر وَيَمُنَّ بصدقته أو يؤذي، فتحبط تلك الأعمال وتذهب، فيتحسر عليها يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إليها. أو يعمل بالطاعة في أيام عمره، فإذا قرب الموت عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال، والعياذ بالله {كذلك يبن الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} فيها فتعتبرون، وتخلصون في أعمالكم، وتخافون من سوء عاقبتكم. أعاذنا الله من ذلك.
الإشارة: في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده، ويلتفت إلى عوالم حسه، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف، تجري على قلبه أنهار العلوم، فينقُضُ العهد مع شيخه، أو يسيء الأدب معه، ولم يتب حتى تيبس أشجار معارفه، وتلعب به ريح الهوى، فيحترق قلبه بنار الشهوات.
قال البيضاوي: وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. اهـ.

.تفسير الآية رقم (267):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}
قلت: {تيمموا}: أصله: تتيمموا، أي تقصدوا، وجملة {تنفقون}: حال مقدرة- من فاعل {تيمموا}، و{منه}: يصح أن يتعلق ب {تنفقون} أو ب {الخبيث}، أي؛ ولا تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه، و{لستم بآخذيه}: حال أيضاً من فاعل {تنفقون}.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} من الأموال في التجارة وغيرها، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا معشرَ التُجار، أنتم فُجار إلا من اتقى وبَرَّ وصَدَق وَقَالَ بالمال هكذا وهكذا».
وقوله: {من طيبات ما كسبتم} أي: من حلاله، أو من خياره، أما في الزكاة فعلى الوجوب، إذ لا يصح دفع الرديء فيها، وأما من التطوع فعلى سبيل الكمال، وأنفقوا أيضاً من طيبات {ما أخرجنا لكم من الأرض} من أنواع الحبوب والثمار والفواكه، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسَ غَرْساً، أَوْ يَزرَعُ زَرْعاً، فَيَأكُلُ مِنهُ إنْسَانٌ ولا دَابَّةٌ ولاَ طَائِرٌ، إلاَّ كَانَت لَهُ صدقةً إلى يَوَمِ الِقِيَامِةِ» ولا تقصدوا {الخبيث} أي: الرديء من أموالكم، فتنفقون منه وأنتم {لستم بآخذيه} في ديونكم {إلا أن تُغْمضوا} بصركم فيه، وتقبضونه حياء أو كرهاً أو مسامحة.
نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره، فنُهوا عنه، وأدبهم بقوله: {واعلموا أن الله غني} عن إنفاقكم، وإنما أمركم به منفعة لكم، {حميد} بقبوله وإثابته، فهو فعيل بمعنى الفاعل، مبالغة، أي: يحمد فعلكم ويشكره لكم، إن أحسنتم فيه، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله قَسَم بينَكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، لا يكسبُ عبدٌ مالاً من حرام فيتصدقُ منه فيُقْبل منه، ولا ينفقُ منه فيبَارك له فيه، ولا يتركهُ خلفَ ظهره إلا كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، وإن الخبيث لا يمحوه الخبيُ».
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، أنفقوا العلوم اللدنية والأسرار الربانية، من طيبات ما كسبتم؛ من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم، وأنفقوا أيضاً علوم الشريعة وأنوار الطريقة، مما أخرجنا لكم من أرض نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المُرْضِية.
ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث، تريدون أن تنفقوا منه شيئاً من تلك العلوم، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلاً وبعداً، فكما أن الحبة لا تنبت إلا في الأرض الطيبة، كذلك النفس لا تُدفن إلا في الحالة المرضية، فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس حتى تدفن في أرض الخُمول، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية، الموافقة للقواعد الشرعية، وإليه الإشارة بقوله: {ولستم بآخذيه} أي: لستم بآخذي العلم اللدني من الحال الخبيث، غلا أن تغيبوا فيه عن حِسَّكم، ومن غلبه الحال لم يبق عليه مقال. وعليها تتخرج قصة لص الحَمَّام، فلا يقتدى به لغلبة الحال عليه، واعلموا أن الله غني حميد، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد. والله تعالى أعلم.